العدمية التي سادت في أوروبا بعد الحرب العالمية.. ما الذي حصل للإنسان؟ تحليل لرواية “الساعة الخامسة والعشرون” .. وقراءة في كتاب نانسي هيوستن عن العدمية!

في القرون المتأخرة، سادت في أوروبا الكثير من الفلسفات والفنون العدمية والعبثية، والتي تعبّر في جوهرها عن الأفق السوداوي لمصير الانسان، لاسيما بعد الحروب العالمية الطاحنة التي أطبقت على أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين. وفي هذا السياق تأتي الرواية الرومانية “الساعة الخامسة والعشرون”، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو.

يقول جيورجيو في روايته “إنك تحترم الرجل كما تحترم سيارتك لأنها تشكل بالنسبة لك قيمة معينة. ولكن هل تحترم الرجل لقيمته الجوهرية، قيمته الإنسانية؟ فالرجل ليس إلا قيمة اجتماعية، وما تبقى فهو افتراضات واعتبارات”؟

فماذا يحصل لو فقد الانسان قيمته الإنسانية الفردية؟ إنه يتبدد ويتلاشى، ويصبح سحقه مسألة عادية.

الرواية تتكلم عن مأساة مواطن روماني مسيحي (يوهان موريتز) كان يعيش في قرية رومانية بسيطة اسمها (فانتانا)، وكان أمله أن يسافر لأمريكا لبضعه أعوام يجمع المال، ليعود بعدها ويحقق حلمه بالزواج ممن أحبها من بنات قريته، ويشتري حقلا واسعا، ثم يموت ويدفن في مقبرة فنتانا. ولكنّ القدر وقف ضده قبيل ساعات من رحيل السفينة إلى أمريكا، ليرى نفسه مضطرا إلى إلغاء مشروعه في الساعات الأخيرة، والبقاء في بلده. ولكن تلك كانت بداية المأساة حيث اشتعلت في أوروبا الحرب العالمية الثانية.

لقد دبّر قاضي التحقيق في المدينة مكيدة ضده لأنها كان يطمع في زوجته، وسيق على إثرها إلى معتقل محلي، وأقحم اسمه زورا بين أسماء “اليهود”، لتبدأ سلسلة معاناته، وينتقل بين المعتقلات والدول، معذبا وأسيرا، مع الآلاف غيره، لفترة تتجاوز العقد من الزمان، فيدخل معتقلات في رومانيا، وهنغاريا، وألمانيا، ويتعرض للتعذيب في كل هذه الدول، وكذلك على أيد الروس، الفرنسيين، والأمريكان. وليس يعرف خلال تلك الفترة، لماذا اعتقل، وما جرمه، وأي ذنب قد ارتكب.

لقد عبّرت قصة هذا المواطن عن المصير المأساوي الذي عاشه الانسان الأوروبي خلال الحرب الكونية، في الوقت الذي كان ينبغي عليه أن يعيش في واقع مختلف، باعتباره فردا لمجتمع يعيش في قمة الحضارة البشرية، حيث بلغت العلوم والمعارف البشرية في أوروبا قمتها، وانتشرت مبادئ حقوق الانسان، وطغت العقلانية على كل الانساق الثقافية. ولكن الرواية تصوّر لنا أنّ المآل الذي آلت إليه الأمور كان فاجعا رغم كل ذلك لأنّ “الغرب ينظر إلى الانسان بعيني التقنية، أما الانسان المخلوق من عظم ولحم القادر على الشعور بالفرح والألم، فإنه غير موجود”، كما يقول الكاتب.

ما الذي حصل بالضبط؟ ولماذا وجد الانسان فجأة نفسه يعيش هذه المأساة؟ لماذا أصبح مهدور الكرامة؟ لماذا أصبح ضحية صراعات دموية لا تعرف الانسان ولا قيمة الانسان؟

في هذه الأجواء، يسافر بنا الكاتب الروماني جيورجيو، ليرينا تجليا واضحا على مصير الانسان الفرد في الحضارة الغربية. فيقول على لسان أحد أبرز شخصياته (الشخصية الثانية في الرواية والتي عبّرت عن مخاوف الكاتب وآلامه من واقع أوروبا) “لن يتحققوا أبدا من وجودنا، فالحضارة الغربية في مرحلتها التقدمية الأخيرة، لا تحفل بالفرد. وليس هناك ما يدعونا إلى الامل بأنهم سيحفلون به. إنّ هذا المجتمع لا يعرف الا بعض المقاييس عن الفرد. أما الانسان المتكامل بصورة فردية، فلا وجود له في هذا المجتمع”.

ونفس هذه الشخصية تقول في موضع آخر: “لقد خلق الغرب حضارة تشبه الآلة، وهو يرغم الانسان على الحياة في صميم هذا المجتمع، ويدعو للتطبع بطبائع الآلات وقوانينها، ولكنهم بذلك يقتلون الانسان بإخضاعه إلى القوانين التي تهيمن على الشاحنات والساعات. ولكن الانسان والشعوب ليست كذلك”.

الانسان كفرد في أوروبا في هذه الفترة قد فقد قيمته الإنسانية والفردية، وأصبح الناس أرقاما وآلات في حرب اشتعلت بلا هوادة بين الدول الكبرى والسياسيين، وهذا ما يعبر عنه الكاتب فيقول على لسان شخصيته: “أنتِ لستِ إلا مواطنة عدوة اعتقلت في الأرض الألمانية.”

المسألة إذن إحصائية، والمسألة آلية، وهذا الإنسان لا يُنظر إليه إلا بهذا الاعتبار، أي رقما أو إشعارا في سياق الصراع بين الدول. ثم يقول “كل ما أعرفه هو أنّ واقع إخضاع الانسان للقوانين والمقاييس الآلية، تلك المقاييس الممتازة بالنسبة للآلة وحدها، يساوي جريمة قتل”. ولذلك فالنتيجة هي أنّه “أنتِ موجودة ليس بصفتك من الأحياء. أنتِ ينظر إليكِ مشوهة مفككة بعينيّ الآلة”.

في نهاية الرواية، وبعد كل الحياة المأساوية التي عاشها البطل، يقف على أحلامه المبددة، أي حلم الذهاب إلى أمريكا، وحلم العودة والموت في قريته، ويقول: “لقد تحقق الحلمان بطريقة غريبة. لم أذهب إلى أمريكا، ولكن أمريكا هي التي جاءت إليّ. وسأموت في هذا السجن الذي تخفق عليه الراية الأمريكية، ذات النجوم. ولم أموت في مقبرة فنتانا، لكن مقبرة فنتانا قد اتسعت حتى عمت أوروبا كلها. إنّ فنتانا ورومانيا وأوروبا كلها، ليست الآن إلا لطخة سوداء على خارطة العالم، كلطخة الحبر. والقارة كلها صامتة حزينة”.

هذه إذن الساعة الخامسة والعشرون، التي تأتي مباشرة بعد انتهاء الساعة الرابعة والعشرون.

يقول المسرحي العدمي ذي الأصول الرومانية الفرنسية يوجين ايونسكو: “بدءاً من أي لحظة بدأت الآلهة تنسحب من العالم؟ منذ أي لحظة فقدت الصور ألوانها؟ منذ أي لحظة أُفرغ العالم من جوهره، منذ أي لحظة لم تعد العلامات علامات، منذ أي لحظة وقعت القطيعة التراجيدية، منذ أي لحظة تُركنا لمصيرنا، منذ أي لحظة لم تعد الآلهة تريدنا كمتفجرين، ومشاركين؟ لقد تُركنا لأنفسنا، لعزلتنا، لخوفنا فولدت المشكلة: ما العالم؟ من نحن؟”

في كتابٍ ملفت بعنوان “أساتذة اليأس، النزعة العدمية في الأدب الأوروبي”، تتحدث الكاتبة نانسي هيوستن، عن العدمية وروّاد العدمية في الأدب الأوروبي في زمن الحداثة. والكاتبة تحاول تقديم جواب على سؤال ايونسكو هذا فتزعم أنّ ذلك قد بدأ منذ القرن السابع عشر، وذلك لأنّ هذا القرن تحديدا قد شهد تبدّلا عظيما في نظرة العالم الأوروبي للعالم، الزمن الذي يطلق عليه بداية الحداثة.

تقول هيوستن: “لقد انتقلنا تدريجيا من عالم مؤسس على الإلهي والخارق للطبيعة إلى عالم طبيعي وبشري حصرا، حين اكتشفنا من بين الأمور الأخرى أنّ كوكبنا ليس أكثر أو أقل من غبار عائم في كون بلا حدود، وأنه مجرد كوكب من بين نحو عشر كواكب شمسية، وأنّ الشمس نفسها ليست سوى نجم من بين مليارات النجوم الأخرى”.

إنّ الوعي التي تولّد في أوروبا من جرّات تلك القطيعة مع التفسيرات الدينية للعالم، أفرز بطبيعة الحال تلك القطيعة بين “الذات والعالم” أي أننا كبشر أدركنا فجأة أنّ وجودنا في العالم هو وجود عبثي، فنحن لا نأتي من مكان، ولا نذهب إلى مكان، ومهجورين في كوكب يسبح في فضاء سحيق. تلفت هيوستن انتباهنا أنّه منذ تلكم الساعة، انطلقت الأصوات الأدبية العدمية، وتعالت صارخة بتلك الحقائق التي اكتشفتها عن العالم.

يقول كالديرون في كتاب “الحياة حلم”: “إنّ جريمة الانسان الكبرى أنّه قد وُلد”. وتنقل الكاتبة هيوستن ما كتبه شكسبير لماكبث واصفا الحياة بأنها “حكاية يرويها أحمق، حكاية صاخبة وعنيفة ولا معنى لها”، أو قول باسكال عن نفسه: “غارقا في الاتساع اللانهائي للفضاءات التي أجهلها وتجهلني، أصاب بالذعر” و”يرعبني ويذهلني أن أجد نفسي هنا، وليس هناك، إذ ما من سبب لأكون هنا وليس هناك، لماذا الآن وليس آنذاك”. ولكن باسكال قد لاذ في آخر المطاف للإيمان ولم ينهار لهذه النظرة القاتمة.

وحين جاءت الثورة الفرنسية على مشارف عصر الانوار، فإنها جاءت بالأمل أن تحلّ الانسان محلّ الإله بعد أن قطعت أوروبا صلتها بالإله، وافترضت هذه الثورة أنه لعلنا الآن في دولة متمدنة نستطيع بالعقل والعلم أن ندير امورنا بتمدن وتحضر، حتى مع غياب الإله في مركز العالم، ولعلنا إذ نضع الانسان الان في محور ومركز الكون، فإننا نستطيع استرداد الثقة بالعالم وأنفسنا.  ولكن انهار ذلك الأمل على حد قول هيوستن، وتحطم على إثر الفشل تلو الفشل، فتولدت العدمية في صيغتها الحديثة. ولم تعد أوروبا بحاجة لوضع الانسان في المركز، فكما تخلينا عن مركزية الله، يمكن الان التخلي عن مركزية الانسان، وليعش الانسان في عزلته، وفرديته، وهكذا فقد ترسخت العدمية في شكلها النهائي أوروبا. لقد نفخ شوبنهاور الروح في العدمية، ثم رسخها نيشته، ثم أصبحت نسقا فكريا مطردا في أوروبا.

وتشترك الفلسفة العدمية في أوروبا عموما في مجموعة عناصر كما تلاحظ هيوستن، منها النخبوية، باعتبار نظرتها إلى أنّ اغلب البشر متشابهون، ومبتذلون، قطيع متجانس، فالكل يتزوج، والكل ينجب، والكل يتسلى بحماقة، أمّا العدمي الناجح فهو الذي يتقبل مأساوية الحياة ويخشع في عزلته، وانفصاله عن العالم، وهو لا يرتبط روحيا بروابط اجتماعية فضلا عن بشعر بمديونية لأحد من البشر.

كما أنّ العدمية تحتقر الحياة على الأرض باعتبارها منعدمة المعنى، عبثية، وكل أنشطة البشر فيها انما هي لمواراة الحقيقة المرعبة التي هي العزلة. والعدمي يود أنه لم يولد، فلماذا يولد؟ ولماذا حكم عليه بهذا الشقاء؟

يقول جان أميري “إنّ عجزنا وهشاشتنا القصوى في سجون الرايخ الثالث ومعسكراته، كانا يولدان الرغبة في احتقار ذواتنا أكثر من الرغبة في البكاء على مصيرنا”

لقد أثرت الحربين العالميتين (وتحديدا الثانية) في إفشاء الفكر العدمي في أوروبا، وخلق تصورات أوروبا عن الحياة والعالم. أو كما قالت هيوست “لقد أدت المجازر، ذلك الإنتاج الصناعي للموت، بالضرورة، إلى فكرة أنّ الحياة عبثية. فمن المستحيل تأمل تلال الجثث، ومواصلة الشعور بالحماية من خلال فكرة وجود إله أو الايمان بمصير فردي، أو معنى متعال transderence”.

فمع المذابح وغرف الغاز والقنابل الذرية ” كفّ معظم الكتّاب الأوروبيين عن الاعتقاد أنّ الأدب يمكن أن يساعد على فهم العالم والعيش فيه، وباتوا متشككين إزاء كل شيء، بدء من اللغة والسرد. لقد أضرمت النازية نارا في قلب أوروبا نفسها”، كما تقول.

أحد هذه النماذج هو الكاتب النمساوي جان أميري الذي ولد في بدايات القرن العشرين في النمسا، والذي تقدمه هيوست كأحد النماذج في كتابها (أساتذة اليأس). ولد أميري في الإمبراطورية النمساوية المجرية، وكانت له مغامرات فكرية وأدبية، وأغرم بكانط وهيغل وشوبنهاور. ولكن كلّ ذلك تحوّل إلى عبث حين وجد نفسه في معسكر الاعتقال النازي أوشتفيز، بسبب أصوله يهودية.

لقد كتب أميري مذكرات اعتقاله، وتحدثت عنه هيوست في كتابها كذلك، ولكن الذي يهمنا من ذلك هي تعليقاته المرتبطة لنظرته لجدوى المعرفة والادب حين كان معتقلا مُعذّبا. فقد وجد نفسه في المعتقل فجأة مجردا من كل قيمة إنسانية، واكتشف فجأة أنّ كل تلك المعرفة لم يكن لها أي قيمة أبدا وهو يساق إلى المعسكرات، ويُعذّب، فلم يكن لهذه المعرفة أي دور في مساعدته أو تخفيف الرعب في تجربته.

يقول أميري “لم يكن الفكر معينا أبدا. كان يتركنا وحيدين ويخيّب أملنا. لم يكن الجمال سوى وهم، تبيّن أن المعرفة ليست سوى لعبة ذهنية.” هنا إذن يعترف أنّ المعرفة كلها كانت مجرد لعبة ذهنية، بمعنى أنها محض عبارات لغوية تعمل في مستوى ذهني، ولا يمكن لها أن تفعل له شيء وهو أمام المحقق أو المعذّب النازي. فكل ثقافته ما كانت لتخفف عنه عذابات المعتقل.

يقول عن نفسه وعن أمثاله “لقد تيقنا أنّ الفكر هو في أبعد مدى له، لعب ludus، وأننا لم نكن قبل دخول المعسكر سوى بشر لاهين humines ludents مهرجين، في نهاية الامر”.

فها هو – وهو في قمة يأسه أمام آلة التعذيب والموت – يرى أنّ المعرفة التي شغل نفسه بها، كأنما جعلت منهم مهرجين لأنّها بكل بساطة أضحت بلا قيمة منذ اليوم الأول في معسكرات الاعتقال، رغم أنّها بدت في الماضي شيئا عظيما مميزا. كأنها خدعة.

وفي تعبير مرعب يختزل كل تلك التصورات يقول “فكبسة زرّ بسيطة من اليد التي تحمل الأداة تكفي لتحوّل الآخر – بما في ذلك رأسه الذي قد يحتوي كانط وهيغل والسنفونيات التسع جميعها والعالم كإرادة وتمثل (كتاب شوبنهاور الشهير) إلى صغير خنزير يُبحّ صوته من الصراخ في الطريق إلى المسلخ”. وتعلّق هيوست على تلك الاقتباسات بقولها ” لم يسعفه شوبنهاور في مواجهة النازيين الوحوش”.

عموما نجى أميري من بين قلائل من سجون الرايخ ومعتقلات النازية، ولكنه بقي يعبّر عن اليأس والعدمية في كل كتاباته، وفي منتصف عقده السابع من العمر، مات منتحرا، وكان قبلها ينظر للانتحار بوصفه خيارات حرا راقيا، كما عبّر “الواقع – أننا لا نستطيع بلوغ ذواتنا تماما إلا من خلال الموت الذي نختاره بحرية”.

ويمكن هنا أن يتساءل المرء بحق، وهو يقرأ تجربة أميري أو غيره، ما هو ظهير الانسان المعنوي الحقيقي؟ لقد أخفقت المعرفة والثقافة والأدب في إنقاذ روح أميري في تلك التجربة المرعبة، فما الذي يمكن أن يكون مرتكزا ينقذ الانسان ويخلّصه من ذلك المصير المأساوي، إذا تعرّض لتجارب مرعبة، لاسيما في عالم اليوم، الذي تطغى فيه أدوات الفتك والقتل والتعذيب؟

Scroll to Top