دائما ما يُقارن الدين بالطب أو العلوم التجريبية ليتم بعدها حصر الاشتغال في الدين عند فئة يُطلق عليها “المتخصصون” فهل الدين تخصص حاله حال بقية التخصصات؟ بداية ينبغي التأكيد على أنّ فكرة “رجوع الجاهل الى العالم” هذه فكرة بديهية وعقلائية لا شك فيها. ولكن يوجد مصادرة ضخمة جدا نقوم بها عندما نقفز من هذه الفكرة البديهية الى فكرة أنّ “الدين تخصص كبقية التخصصات” وأنّ “هناك متخصصين للدين”. أمّا الدين نفسه فهو ليس تخصص كبقية التخصصات، وذلك لمجموعة من الأسباب:
أولا: ستجد أنّ معظم من يدافع عن فكرة أنّ الدين تخصص، دائما يحتج عليك بالتالي: وهل يستطيع الشخص العامي أن يستنبط الحكم الشرعي بنفسه؟ وهذا الجواب يكشف عن قوة الملازمة الخاطئة التي في أذهاننا بين مفهوم “الدين” ومفهوم “الفقه”. عندما نقول كلمة “الدين” – ونتيجة لهذه الملازمة الخاطئة – فالذهن يستحضر “الفقه” و”الأحكام” بشكل تلقائي ليقوم بعدها بافتراض أنّ دعوى “الدين ليس تخصص” تستبطن إطلاق العنان لجميع الناس لإصدار أحكام فقهية بمزاجهم. والواقع أنّ الدين أكبر من الفقه بمراحل فلكية، والفقه فرع منه، كما تشهد بذلك نسبة آيات الاحكام والفقه في كتاب الله من مجموع الآيات. فالذهن ينبغي أن يحرر الدين – قبل التفكير في هذه القضية – من التعريفات الضيقة؛ ويحرره ليفهم أنه أوسع بكثير من المجالات التي يشتغل فيها “رجل الدين”.
ثانيا: عندما نقول الفئة المتخصصة هي التي ينبغي أن تتكلم في الدين فمن نقصد؟ هل نقصد أنّ جميع طلبة العلوم الدينية يستطيعون الكلام في الفقه والتفسير والتربية الاخلاقية والمعارف القرآنية والروحية؟ أم نقصد فئة محددة (الاساتذة الكبار) هم الذي ينبغي ان يتكلموا في هذه الامور كلها؟ أم نقصد أنّ كل فئة ضمن سلّم المدرسة الدينية هي التي تتكلم في عدد “محدود” من هذه المعارف؟ أم أننا نقصد أنّ أفرادا منهم يتكلمون في بعض هذه الفروع بحسب مجال بحثهم؟ نلاحظ أنّ هناك فرقا واضحا بين الحالات هذه. فلو فرضنا انّ محاسبا/طبيبا/محاميا قد درس مسألة دينية “معينة” باستفاضة، وأحاط بها من كل أو كثير من جوانبها، ثم أبدى رأيا فيها، فهل سيكون ضمن الفئة الغير متخصصة حتى في هذه المسألة؟ وفي المقابل يكون طلبة العلوم الدينية، حتى الذين لم يدرسوها او قرأوا فيها بشل عام وسطحي، هم ضمن المتخصصين؟ نلاحظ أنّ مفهوم التخصص هنا فضفاض. ما هي حدوده؟ وما هي مستوياته؟ يتسع ويضيق ليشمل من بالضبط؟ وهل هو مطلق بمعنى هل المتخصص يكون متخصصا في كل مجالات الدين؟ وهل غير المتخصص غير كفء لتقديم النظريات في كل مجالات الدين، على اختلافها؟ وهل عدم التخصص يجعل من نظرية ذاك “المحاسب” الذي تبحّر ودرس هذه المسألة نظرية مرفوضة لمجرد أنّه غير متخصص بالمعنى الكلاسيكي؛ حتى وإن كان من يطلق عليه “متخصصا” لا يعرف عشر معشار معرفته في تلك المسألة؟ هذه الأسئلة تكشف لك جانب من الخلل في إطلاق هذه المقولة إطلاقا عاما وغير دقيق.
ثالثا: سنجد أنّ مقارنة الدين بالعلوم التجريبية مقارنة غير واقعية وغير دقيقة، لأننا لو إلتزمنا بهذه المقارنة للنهاية سنسقط في إشكال مع الدين نفسه. فكل العلوم التطبيقية نستطيع قياسه نتائجها بشكل تجريبي لنحصل على إثبات بجدوى هذه النظرية أو تلك، فما هي أداة القياس المطابقة لتلك في الدين؟ إن كانت تلك الأداة مثيلة لها منهجيا، فأين هي؟ وإن لم تكن مثيلة لها منهجيا، فلماذا الإصرار على فكرة التماثل بين الحقلين (حقل الدين وحقل العلوم التجريبية)؟ فأين تلك الأداة التي تثبت جدوى اشتغال نظرية دون أخرى في الدين؟ سنجد أنفسنا نلجأ لأدوات ك “الأعلم” أو “اجماع الامة” أو تفسيرات لنصوص، وهي أدوات – حتى لو صحّت – فهي كفيلة بجعل طريقة قياس المناهج الدينية مغايرة لقياس المناهج في العلوم التطبيقية. فكيف يصح التماثل إن كان الحال هذا؟ّ! من جهة أخرى، فإنه إذا احتج أحد الأشخاص على طبيب أو مهندس في فكرة متعلقة بتخصصه، فهذا الطبيب او المهندس ملزم بالرد العلمي المثبت بمنهج يقنع المريض أو السائل؛ أما الاجابة عليه بجواب مثل: “هذا شغل المتخصصين”، فإنّ ذلك لا معنى له ويشكل ورطة له.
رابعا: دعوى التخصص تنتج نظاما احتكاريا بدلالة واضحة من التاريخ والحاضر. فهذه الفكرة -أي أن للدين متخصصين- كانت أحد أكبر دواعي محاربة الانبياء والمصلحين، فالمتخصصين في الدين هم الذين حاربوا يحيى بن زكريا (ع) وحاربوا عيسى بن مريم (ع)؛ وقد وحارب المتخصصين كذلك النبي محمد (ص)؛ فتخيل لو احتج معاصرو الانبياء بهذه الفكرة؛ فكرة “الرجوع للمتخصص” للحكم على الدعوة الجديدة للنبي، فماذا كانت ستكون النتيجة؟ أليست مأساوية؟ فهي ستكون حتما إنكارا للأنبياء (ع) وعدوانا عليهم. لذلك فإنّ نظم الاحتكار الديني دائما تحامي عن مقولة “الدين تخصص” فهي تحول دون تحرير الدين من الهيمنة. ثم إنّ جانب من خطورتها يكمن في أنها تنطوي على مغالطة اخرى كبيرة، فدعوى أنّ الدين تخصص دائما تحيل الانسان الى تقييم “المنهج الجديد” بأدوات المنهج “التخصصي الكلاسيكي” لذلك فإنّ التقييم سيكون دوما منحاز نتيجة وجود سبقيات كثيرة ومحسومة تمنع التقييم الموضوعي للمنهج الجديد. أدوات التقييم لابد أن تكون متجردة من المناهج الموجودة لكي تكون موضوعية. أمّا الاحتكام الى “اهل الاختصاص” بشكل مطلق في تقييم المناهج الجديدة ثم الاعتقاد بأنّ هذا الاحتكام قد حسم النتيجة وأفحم الطرف الاخر فهو محض خداع للنفس ومغالطة.
خامسا: دعوى التخصص هذه دعوة مريبة، تعيد التشكّل والتكيف باستمرار لتُخرج من دائرتها أي فرد يخالف النظرية السائدة؛ فالتخصص – في هذا السياق – معناه الالتزام ليس فقط بالمناهج التقليدية، وانما أيضا تبنّي “النتائج” التقليدية! بمعنى آخر، كأنما دعوى “الدين تخصص” تلزم “المختص” بمقولات ونتائج معينة بحيث أنه لو خالفها فإنه سيكون ضمنيا خارج هذه الفئة “المتخصصة” حتى وإن كان في الأساس منهم. لذلك تجدهم يشددون دائما على المخالفين الذي خرجوا من المدرسة والدائرة نفسها ويقولون عنهم: أليس الأجدر به أن يطرح إشكالاته على المتخصصين بدلا عن إعلانها في ندواته أو كتبه! “أليس المفترض عليه أن يرجع لهم قبل أن يتكلم؟!” ولكن ما عدا مما بدا؟! أليس هو متخصص؟ كيف أصبح الآن شخصا ذا نوايا مشبوهة وقد كان بالأمس متخصص. السبب لأنه قد خالف نتائجهم. وهذا يثبت انّ دعوى التخصص إضافة لكونها نظاما احتكاريا، فهي قيد على التفكير، وحجر عقلي، وصنمية ذهنية، وأداة محاسبة، ومراقبة، ووصاية.
سادسا: عند وجود اختلاف فكري بين الاطراف، يحيلنا صاحب دعوى “الدين تخصص” الى “المتخصص” لحسم الفكرة التي يتم النقاش فيها، فأي متخصص يقصد بالضبط؟ ومتخصص على أي منهج؟ فصاحب دعوى التخصص يقول لك “المتخصص في الدين” ولكنه في الحقيقة يقصد “المتخصص في منهجه الديني الذي يعتقد به هو”. وعودا على مثال الطب، فعندما يتناقش فردان في مسألة طبية فالشخصين يرجعون لنفس المرجعية التجريبية، وبالتالي الإحالة إليها قد يكون فيه شيء من الحجية، أما في الدين – بمفهومه الواسع جدا – فالإحالة الى متخصص فيه مصادرة لأنّ الطرف المقابل لك لا يعتقد بالضرورة بمنهجك. قل له مثلا الرجوع الى “المتخصص على المنهج الكذائي والمنتمي الى المدرسة الدينية الكذائية” أما إنّك تحتج بالمتخصص على طريقة فهمك للدين، لكي ترد على إشكاله، فلا قيمة له. مع الأسف الشديد، فإنّ دعاة التخصص بارعين في اختزال الدين في الفروع أي في الفقه والرجال والعقائد، وحتى تلك العلوم تكون في إطارهم المذهبي الضيق ووفاق مناهج علماء طائفتهم. فتخيل أنّ التعامل مع “الدين” يصبح في ذهن دعاة التخصص، هو البراعة والمهارة في الفقه، أو في الجرح والتعديل، أو في علوم الفقه والأصول، وبالمعايير المذهبية الخاصة. ألا ترى الخطأ؟ ألا تجد سائلهم يسأل: وماذا تعرفون في الجرح والتعديل؟ طبعا هو يقول ذلك لكي يأخذ الحوار الى مكمنه المريح، أي الى المنطقة الوحيدة التي يستطيع النقاش فيها، ويستطيع إثبات أنّ مذهبه هو الحق!
سابعا: لنأخذ المقارنة المعروفة بجعل الدين كالطب وعالم الدين كالطبيب. ففي الطب مثلا أنت تتلقى العلم الطبي بوصفك متلقيا سلبيا؛ بمعنى أنّه علم مكتمل الاركان وحقائقه كلها موضوعية وخارجية؛ وعلى الطالب اكتسابها بالتحصيل والتعلم. أما الدين الذي عماده التجربة الروحية الفردية/الجماعية، والذي يعتمد أيضا على استيعاب الطالب لنصوصه، فالمتلقي ليس متلقيا سلبيا؛ بل متلقيا يساهم في إنتاج المعنى وفي خلق التصور للدين. فحمولة الإنسان النفسية وتاريخه ومذهبه ومقدار ثقافته ومعرفته تتداخل بشكل كبير جدا في إستيعاب النص وفي إعطاءه معاني محددة. فالنص والمتلقي يصنعان التصور النهائي معا، ولا انفكاك للنص عن المتلقي. أما تصوير الدين وكأنه علم واضح مكتمل وموضوعي، وإنّ مسؤولية الطالب فقط تحصيله فهذا تصور متخيل من دعاة التخصص؛ ومغالطة كبيرة. والحقيقة فإنّ الذي يجعل هذه المغالطة مستعصية على الهدم لا قوتها، بل مقدار شيوعها وشهرتها. ولك أن تسأل، فيما يتعلق بأي قضية دينية، هل من الممكن أن يتوصل شخص بمعطيات قليلة ومحدودة الى نتيجة صحيحة، وتكون هذه النتيجة الصحيحة ذاتها غائبة عن عقول كثيرين ممن احاطوا بتفاصيل أكثر بكثير حول نفس القضية؟ بعد الاجابة على هذا أسأل: هل يمكن ذلك في الطب؟ إذن، نلاحظ من كل ما تقدم انّ مقولة “الدين تخصص كباقي التخصصات” مقولة خاطئة. ولكن ذلك لا يعني أنّ الجاهل لا يرجع للعالم، وأنّ الانسان لا يرجع للفقيه في المسائل الفقهية التي يجهلها. فهناك فرق بين المقولتين. وختاما: الدين لله وحده، ومحل سكن الدين هو قلب الانسان، وميدانه سلوك الانسان؛ بينما العلوم التطبيقية محلها الظواهر والحس. وثمار الدين روحية ومآلاته الفوز او الخسارة في الاخرة؛ هناك تثبت صدق المقولات وأحقية النتائج. ولا ينفع الانسان حينها – بعد ان عطل سمعه وبصره وفؤاده- ان يقول لربّه إنما فعلت ما فعلت لأني كنت ارجع للمتخصصين ف: “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا”.